مُنح وحياً... ليجوع

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
28/03/2008 06:00 AM
GMT



لشئ كبير واستثنائي حقا أن يكون المرء شاعرا. لشئ جميل ومذهل أن تتنفس موهبته.. فذلك كفيل بأن يرفعه عن كونه إنسانا فحسب، جثة فحسب، ويزيده رفضا وكرها بالواقع المحيط الذي يلقي بظلاله عليه فيرزح تحت تأثيره. فتراه ينغمس في سرائره وفي خيالاته هربا ربما من الواقع الذي يسوقه إلى الجنون كون الشاعر أكثر إحساسا وتأثرا من غيره. وكأن له قلبين ينبضان.. ومائة عين. إنه يرى ويسمع ما ليس يراه غيره ويسمعه، تغازله كل عين.. ويسامره كل خاطر، تتناهب حواسه دموعُ الأبرياء، ويضنيه النشيج الخفي.
وسبب ذلك في اعتقادي إن ثمة وشيجة خفية بين قلب الشاعر وعقله، وهي منتجة الشعر لديه طبعا، هذه الوشيجة تترجم الأحاسيس والانفعالات إلى نبضات زائدة وحروف، فتتهافت على قريحته الكلمات كي يضعها في سطور واصفة أو منتقدة أو متغزلة أو باكية. وكل أمور الشعر تلك تتخطى محدودية الذات المدركة للإنسان العادي، وتُصقـَل ذاتٌ أخرى خبيرة لدى الشاعر... خبيرة جدا، على الرغم من بقاءه محكوما ببراءته، أي أن معالم الخبرة والألمعية الروحية لديه لا تجرده من معالم البراءة والتفرُّد التي جُبل عليها. هذه الذات الخبيرة -كما أؤمن- لا تنمو لديه بالاكتساب وإنما هي موجودة بالفطرة لديه ما وُجدت موهبته الشعرية.
والشعراء هنا - في رحم الثقافة ومهد نوابغ الأدب- يعيشون تحت ضغط واقع مرير يمر به العراق.. واقع لا حل له.. واقع تذبل تحت وطأته أكثر القرائح قوة ورقة. الشعراء هنا يعيشون في مجتمع لا يُقدّر أن للشاعر حق الهدوء والسكينة والاكتفاء المادي كي ينتج... مجتمع لا يُقدّر أن الورد لا ينمو في المستنقعات... لا يقدّر أن الله سبحانه قد منح الشاعر وحيا.. وهذا شأن الأنبياء.
ها هم الشعراء والأدباء بصورة عامة رُكنوا على رف وقد ملأهم التراب. ها هم وقد هُمشت أدوارهم وأهملوا، فلا عين ترى حالهم ولا أذن تسمع منهم الشكوى.. وهم ينوءون بحمل أمتهم، بخيرها وشرها، ببأسها وضعفها. وينظر العامةُ إليهم على أنهم الفاحصون الخبراء.. أصحاب جميع الأجوبة، المسؤولون عن متابعة وفحص كل شئ ونقده.. بل ووضع الحلول له. والنظرة هذه صادقة لا لبس فيها، لأن الأديب - في يقيني- نبيٌ في أمته.
ومن كل تلك المعطيات (إضافة إلى كل ما للاغتراب من سمعة طيبة لدى معشر الأدباء في صقل المواهب وشهرة الأديب وسهولة النشر وكل ذلك) صار حريا- بنظر مثقفينا- أن يُنقذوا أنفسهم وقرائحهم من وَحل المثاقفة الكاذبة في العراق ومن موت الموهبة تحت ظلّ المشهد العراقي الذي يُرثى له بأيّ مقارنة كانت. وقد رأوا ان من الأصح أن يُدلي الأديب بولائه لأي دولة تستر على عريه وجوعه، وتفيض حنجرته وعيناه بمجرد التفكير في السفر -أي سفر- المهم أن يتنفس في جو غير جو بلاده المختنق بالغبار والذباب والسياسيين. رأوا أن الصواب في الهروب.. وكأن رسالة الأديب تصل في هروبه إلى الكمال... منتهى التبليغ..!
أنت الآن أيها المثقف تقف حائرا بين الهروب لأي حضن تراه أنت رغيدا مُنعما يتركك أديبا على قيد الحياة.. وبين مكابدة الجوع والخوف والقهر والذل، وستبقى حائرا جامدا في مكانك حتى يرحمك الموت..! ولا تسألني ما الخيار الصائب بينهما، فانا الآخر مثلك تماما... لا ادري.
تمت
al.derawi@yahoo.com